صراع الحياة والموت



(أن نكون أولانكون، هي المسألة) هذه هي العبارة التي نطق بها شكسبير على لسان هاملت، في مناجاته الذاتية الشهيرة. ويماثلها تأكيد ألبير كامي حين صرح بأن الإنتحار هو المشكل الميتافزيقي الأوحد، بما أنه الفعل الوحيد الذي يمكن من الإختيار بين الحياة والموت.
ويظل الإنتحار، الذي حرمه الدين، عملا محظورا في غالبية المجتمعات. ومع ذلك، فهو شكل سلوكي منتشر بعض الشيئ.، إن لم يكن كثير الوقوع. وقد سعى المهتون بدراسة السلوكات الإنسانية والإجتماعية، من أتتروبولوجيين، وعلماء إجتماع، ونفسانيين، وأطباء بصفة خاصة، الى تحليل هذه الظاهرة بصورة موضوعية.
ظاهرة إجتماعية:
هل يمكن أن نعتبر الإنتحار حقا عملا فرديا؟ كلا، مثلما أثبت ذلك عالم الإجتماع الفرنسي إيميلدوركايم (1858-1917)، لأن الأفعال الفردية، عموما، إنعكاس للظواهر الإجتماعية.
ويرى العديد من العلماء أن هذا الفعل، الذي يقترفه الفرد، ليس سوى نتيجة للعزلة، ولاستلاب الشخص وسط المجتمع المحيط به، وبذلك تكون للمأساة الشخصية  جذور جماعية.
لقد قيل إن المجتمع يشجب الأنتحار لأن الإنتحار يشجبه. وتظهر الإحصائيات أن الإنتحارواحد من عشرة أسباب  رئيسية للوفاة في المجتمعات الصناعية، وفي أوساط الشبان، فإن حوادث السير وحدها تضاهيه بما تحصده من أرواح، وتبدو نسبة الإنتحارات مقلقة في بعض الأحياء الجامعية. ومع ذلك تبقى النسبة وسط عموم السكان ضئيلة:  1 من 10000 في البلدان الغربية.
صرخة إستغاثة:
ويرى بعض المتهكمين أن الأمر يتعلق بأشخاص لايرغبون حقا في الإنتحار، بل تتمثل رغبتهم الوحيدة في إثارة الإنتباه إليهم والتعاطف معهم. وهذا الرأي مخطئ في الواقع، لأن هذه المحاولات الإنتحارية هي صرخات إستغاثة صادرة عن أشخاص في ذروة اليأس، وربما كانوا شديدي الكبرياء، أو الخجل بحيث يتعذر عليهم طلب المساعدة، ناهيك أن في الإنتحار – الكاذب – مخاطر حقيقية ، بل إن بعض هؤلاء يعاودون الكرة الى أن تفلح محاولتهم، وهو مايؤكد أن ميولهم الإنتحارية  لم تكن مجرد تظاهر.
وغالبا ما تترتب عن محاولة الإنتحار، من جهة أخرى، عواقب سيئة. بل يمكن لهذا الفعل أن يعتبر شكلا من أشكال الضغط على الآخرين. حيث يبدو كما لو أن الشخص الذي بقترفه يصرح (( إنني أنتحربسببكم )).
إنهيار الشخصية:
بصفة عامة، تتميز الحالة النفسية للمكتئب الذهاني بصعوبة أشد، ويغلب عليه الشعور بالذنب بدل الإحساس بالشفقة على نفسه، ولا يتسم مزاجه بالتقلب كما لدى العصابي، غير أن الإكتئاب كثيرا ما يحدث لديه بشكل مباغث. وفي هذه الحالة يكون اختلال أو فقدان الرغبات الطبيعية، من شهية ونوم، وكذا خمول الحيوية، أشد حدة. ويفقد المريض كل رغبة في الحياة، ولا يعود قادرا على الإستمتاع بأي شيء كان. فهو يوبخ نفسه ويرغب في معاقبتها عى هنات صدرت منه في الماضي، وتسوء طباعه ثم تنهار شخصيته.
أهمية العلاج المبكر:
مع ذلك، بمقدور العلاج النفسي، إذا تم في الوقت المناسب، أن يخفف الإكتئاب ويهدئ المريض، بفضل بعض الأدوية، ويتطلب العلاج في الأغلب، أيداع المريض بالمستشفى في أسرع وقت ممكن.
وقد تبين أن العلاج بالصدمات الكهربائية مفيد كإجراء مستعجل، رغم صمعته المخيفة، مع أن فعاليته لم تحظى بالفهم الكافي. وينصح باستعمال الصدمة الكهربائية بالخصوص لذى المكتئبين الذهانيين، الميالين الى الإنتحار، الذين تستدعي حالتهم تدخلا سريعا وقويا. ويكون التغير الخاصل أحيانا شبيها بالنعجزة. وترى إحدى النظريات أن سريان التيار الكهربائي عبر الدماغ يعيد النظام الى الوظائف الكيميائية الحيوية  أو الكيميائية الكهربائية المسؤولة عن الوعي، والتي تعرضت للخلل من جراء الإكتئاب. وفي الحالات الأقل حدة، يعالج المريض بأدوية مضادة للأكتئاب، رغم أن مفعول هذه الأدوية بطيء، إلا أن بإمكانها أن تعيد المريض حيويته ورغبته في الحياة.
  
تؤدي العزلة الى حالة من الإحباط المتزايد، وتقضي تدريجيا على كل تحفز للحياة. وعندئد يمكن لأي حدث  طارئ أن يعصف بالشخص المعني، وأن يدفعه دفعا الى الإنتحار



1 تعليقات

  1. اللهم ابعد عنا الحزن والغم والبلاء السيء

    ردحذف

إرسال تعليق

أحدث أقدم